الشيخ علي الكوراني العاملي

85

جواهر التاريخ ( دراسة لشخصية أبي سفيان ومعاوية )

ضاقت الدنيا في وجهه الملوي ! وأمر بالمسير إلى مكة فدخلها واحتجب عن الناس ثلاثة أيام ، ثم رأى أنه لا بد له من لقاء الناس والتعجيل بالعودة إلى الشام ! فماذا يقول للناس ، وهو الذي قال لهم : أنا أمير المؤمنين ، وخليفة الله في أرضه ؟ هل يقول لهم إن الله عاقب خليفته فعمل به هكذا ! ليسقطه من أعين الناس ؟ ! خرج إلى الناس في مكة وقد لفَّ وجهه ، وروت المصادر المختلفة خطبته فيهم وحذف أكثرهم منها ارتباك معاوية وتأسفه على ما تحمَّل في هواه لابنه يزيد ! وتخوفه أن يكون ما حل به عقوبة لأنه دفع علياً ( عليه السلام ) عن حقه ، وقتل حجراً وهو لا يعلم لماذا ! وأكمل نص وجدته لخطبته في فتوح ابن الأعثم : 4 / 344 ، جاء فيه : ( وأصابته اللقوة في وجهه فأصبح لما به ، فدخل عليه الناس يعزونه ويتوجعون له مما قد نزل به ، فقال : أيها الناس ! إن المؤمن ليصاب بالبلاء فإما معاقب بذنب وإما مبتلى ليؤجر ، وإن ابتليت فقد ابتلي الصالحون من قبلي وأنا أرجو أن أكون منهم ، وإن مرض مني عضو فذلك بأيام صحتي وما عوفيت أكثر ولئن أعطيت حكمي فما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني ، لأني اليوم ابن بضع وسبعين ، فرحم الله عبداً نظر إليَّ فدعا لي بالعافية ، فإني وإن كنت غنياً عن خاصتكم لقد كنت فقيراً إلى عامتكم . قال : فدعا الناس له بخير وخرجوا من عنده . وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به ، فقال له مروان بن الحكم : أجزعاً يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا يا مروان ! ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفاً ، ثم إني بليت في أحسني وما ظهر للناس مني ، فأخاف أن يكون عقوبةً عُجِّلت لي لما كان مني من دفعي بحق علي بن أبي طالب ، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وعرفت قصدي . . ) . انتهى . ورواها ابن عساكر في تاريخ دمشق : 59 / 215 و 59 / 214 ولم يذكر فيها دفع حق علي ( عليه السلام ) ولا قتل